الأحد، 26 سبتمبر 2010

النبي الأمي آراء ومناقشات 2 ..!

البحث في الآية الشريفة على ضوء الكتاب الكريم
بقلم الشيخ عبدالكريم الحائري
(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) الجمعة2 وجاء في سورة الأعراف قوله تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي... ) وأيضا قوله تعالى (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي... ) الاعراف157-158. وليس البحث في تمام الآية بل البحث في ما يستفاد من الآيات من نسبة النبي(ص) إلى الأمية أو (في الأميين رسولاً منهم) ولا شك أن البحث الذي يجري عليه الفقهاء في مسائلهم أولاً استنباط القرائن وفهم المعنى من القرآن الكريم ثم من السنة المطهرة ثم الاجماع ثم العقل ونحن نجري على ذلك النمط من البحث.
فالمعنى اللغوي للكلمة الشريفة ليس هو عدم القراءة والكتابة كما زعمه جماعة من المتأخرين بل يفهم هذا المعنى كما ذكره أبو إسحاق وغيره أنها نسبة إلى الأم ويكون المعنى أنه كما كان في ما جبلته أمه لم يعرف ذلك فالنسبة بمعنى البقاء على ذلك وهذا معنى مستنبط وحتى لو قلنا أن المعنى اللغوي هو هذا فلا يضر بالبحث ولكن المتأخرين تأثروا بالاصطلاح الذي صار لهذه الكلمة والتبادر منها عند المتأخرين فكأن معناها اللغوي القديم كذلك والحال أنه ليس كذلك فلم يذكره أهل اللغة بعنوان النص بل بعنوان كونه مستنبطاً نعم ذكر ذلك ألمفسرون وعلى أي حال يجب الرجوع إلى القرآن الكريم لفهم هذه الكلمة الشريفة فقد جاءت هذه الكلمة في موارد منها (قل للذين أوتوا الكتاب والأميين) آل عمران20 ومنها قوله تعالى (ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) آل عمران75 وعندما نقف على استعمال القرآن الكريم نرى هل أن هذا المعنى المتعارف الاصطلاحي مختص بهذه الأمة في أول أمرها أو أن الرسالة عامة وشاملة إلى آخر الازمان ما دامت البشرية (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وقال تعالى عنه (لأنذركم ومن بلغ) وكذلك جاء (إني رسول الله إليكم جميعاً) (وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين) فهل هذا عنوان لهذه الأمة المرحومة وما معناه إذا كان كذلك فيحتمل أن يكون عنواناً عاماً والأميون هم الذين قال عنهم (كنتم خير أمة) فالنسبة إذن إلى الأمة التي هي خير أمة أخرجت ومنهم نبيهم خير النبيين ولم نعهد من القرآن الكريم يذكر قوماً ويعيبهم لعدم معرفتهم بالقراءة بل الضلال الحاصل لهم لعدم اتباعهم للحق ومن تبع الحق فهو على الهدى حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة بل حتى لو كان أعمى في الظاهر وفاقداً للبصر وهل كانت الأمم كلها تعرف القراءة والكتابة؟ ولا توجد أمة لم تعرف ذلك فلم لا يكون نبيهم أرسل إلى الاميين بذلك المعنى ولم لم يذكر؟ فمن البعيد جداً إن لم يكن امراً مقطوعاً بعدمه أن تكون كل الأمم عارفة بذلك وليست الأمية بهذا المعنى فخراً حتى يذكروا به ولا ذماً حتى يتميزوا به بل الملاك والميزان الهدى واتباع الحق فكم عارف بالقراءة والكتابة لم يتبع الحق وهو على ضلال والى جهنم فلا ينفعه ذلك شيئاً من عذاب الله تعالى وكم جاهل بها يدخل الجنة وينعم ولا يضره جهله بها فالميزان ليس القراءة والكتابة بل الميزان طاعة الله تعالى واتباع الحق والتسليم لامر الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) نعم تخلف أمة عن القراءة والكتابة ربما يؤدي بها إلى عدم العلم والمعرفة والابتعاد عن الحضارة فيكون مقدمة للضلال ولكنه ليس هو الملاك إذ لم يذكر القرآن الكريم أمة ويمدحها لمعرفتها بذلك بل قد ذم اقواماً عرفوها وحرفوها (يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما كانوا... ) فلم يذكر أمية أمة ولا معرفتها على الاطلاق في القرآن الكريم وأنها كانت سبباً للتميز وقبول الرسالة بل الذين كانوا يستفتحون ويقرؤون الكتب السابقة ويجدون الصفات النبوية عتوا وعصوا وخالفوا الحق واتبعوا هواهم.
وخلاصة التقييم لهذه الآيات أن الأمية بالمعنى المشهور عند المفسرين لم يقع في لسان القرآن حول أمة من الأمم غير هذه الأمة والقرآن الكريم إذا أراد ذكر شيء أراد علاجه فإذا أراد الامية بهذا المعنى فلابد أن يكون قد بعث النبي لعلاج ذلك والحال أن المهمة ليست تعليم الكتابة بل تعليم الكتاب فإذا لم يكن هذا المعنى من مأنوسات القرآن الكريم فلابد أن ننظر حتى نرى معناها من نفس الكتاب الكريم فقد جاءت في سورة البقرة آية 78 (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني).
فهذه الآية لا تحتاج إلى تفسير بل تكون قرينة لوضوحها على فهم بقية الآيات الأخرى حيث قال تعالى (ومنهم أميون) ثم اتبعها لبيان ذلك وسبب الأمية هي لا يعلمون الكتاب إلا أماني. وهذا هو المعنى الثاني للأمية ومنه يفهم قوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة... ).
فالأميون الذين لم يطلعوا على كتاب من قبل ولم يأتهم نبي بتعاليم وكونه منهم أي من هؤلاء أي من أنفسهم لا غريب عليهم مثل قوله تعالى (وخلق منها زوجها) فنسبة الأمية إليه (الأمي) باعتباره من هؤلاء وقد قال تعالى (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) (وعلمك ما لم تكن تعلم) وعلى هذا كل إنسان قبل التعليم أمي ولكن هذه الأمة في أولها وفي مكان بعثة النبي( فيها لم تكن كباقي الأمم حيث لم تكن تشم رائحة الحضارة ولا تأثرت بالنبوات السابقة التي سمعت عنها وليس معنى ذلك كل من كان هناك إذ ما من عام إلا وقد خص فلأجل ذلك بعد مضي الدهور والأزمنة من زمن نوح وآدم إلى زمن الخاتم) وكأن إبراهيم خليل الرحمن كان يرى ذلك فيهم حيث دعى وقال (واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام رب إنهن اضللن كثيراً من عبادك.. ) ولا يخفى أن التعامل مع الحضارات والديانات السماوية السابقة يكون أقل عناءً ممن لم يكن تابعاً لدين وترسخ على جاهلية وعصبية عوجاء، فكانت الأمية فيهم باعتبار أنه ستختم النبوات وبعد لم ينالهم حظ وافر منها فلذا جاءت إليهم ومنهم انطلقت إلى غيرهم وخلاصة الكلام أن هذا المعنى لم يتعرض للمعنى الاصطلاحي بل هو معنى خاص. نعم هذا لا يختص بهذه الأمة وإن اشتهر عنها ذلك بل هي أيضاً من اوصاف اليهود حيث أن الآية المباركة (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ذكرت في بيان الطائفة الرابعة من اليهود حيث أن أميتهم ناشئة من عدم معرفتهم بالكتاب إلا أماني . أنهم أبناء الله واحبائه وأنه لا يعذبهم إلى غير ذلك من أمانيهم، وكون النبي منهم لا يختص به(ص) بل هو شامل لكل الأنبياء الذين بعثوا حيث انهم بعثوا من أممهم (وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وقد جاء توضيح ذلك في آيات كثيرة في القرآن الكريم منها في الأعراف من آية 159 فما بعد ابتداءً من نوح إلى موسى حيث قال تعالى ولقد ارسلنا نوحاً إلى قومه والى عاد أخاهم هوداً والى ثمود أخاهم صالحاً ولوطاً إلى قومه والى مدين أخاهم شعيباً...
وجاء ذلك أيضاً في سورة يونس آية 74 فما بعد (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ـ إلى قوله ـ ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم)..
وفي سورة هود آية 25 فما بعد (ولقد ارسنا نوحاً إلى قومه ـ إلى قوله تعالى ـ والى عاد أخاهم هوداً)... فعندما يقص القرآن علينا قصص الأنبياء فيتعرض لبعثهم ثم يصف اقوامهم بالعصيان أو الطاعة (وما ارسلنا من رسول إلا كانوا به يستهزؤون) وذكرهم بالمدح أو الذم لأجل ذلك لا لأجل معرفتهم بالكتابة والقراءة أو بمدحهما فقد جاء قوله تعالى في الشعراء آية 195 فما بعد.
(كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم اخوهم نوح إلا تتقون)
(كذبت عاد المرسلين)
(كذبت ثمود المرسلين)
(كذبت قوم لوط المرسلين)
(كذب أصحاب الأيكة المرسلين)
فلامهم على تكذيبهم وعنادهم فلو كانوا يحسنون القراءة والكتابة فليس في ذلك مدح ولو كانوا يجهلونها فليس في ذلك ذم إذ كل ذلك منصب على الطاعة لله ولرسوله فهل كان بلال افضل أم المعاندون ممن يحسنونها وهل كان أصحاب الصفة افضل أم غيرهم ونريد أن نتلخص من كل ذلك أن روح القرآن بعيد عن تلك الجهة الاصطلاحية التي يراها القوم كيف والقرآن الكريم لما ذكرهم (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) فعالج المشكلة بقوله تعالى (يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) فيفهم من هذا السياق أن سبب أميتهم عدم معرفتهم بالكتاب وعدم التزكية لنفوسهم ولأجل هذا الداء جاءت الرسالة بذلك الدواء.
ونكتفي بهذا المقدار في البحث والاستدلال بالكتاب الكريم لاستكشاف معنى الأمية.
يتبع 3 ...

هناك 3 تعليقات:

رهبرى يقول...

أحسنت أخي

Multi Vitaminz يقول...

وانت رهبري ..!

وشكراً على المرور ..!

وانت ايضاً احسنت فمدونتك جميلة ومفيدة ..!

موفق

علي إسماعيل الشطي يقول...

أحسنت بارك الله فيك

تقبل مروري أخي الكريم