الأحد، 6 ديسمبر، 2009

قراءة في كتاب النباهة والاستحمار ..!

للمفكر الإسلامي الشهيد د:علي شريعتي.
رغم أن مشروع شريعتي التغييري و الإصلاحي قائم بالدرجة الأولى على العودة إلى الذات شأنه شأن معظم المصلحين مع فارق الكثافة الإصلاحية لصالح شريعتي ، إلا أنه تبقى المقولة الأكثر مركزية في أفكاره و مشروعه التفكيكي لأسباب الأزمة و سبل علاجها هي : مقولة الإستحمار ، و التي تصنف مساره الإصلاحي على علم الاجتماع السياسي الذي أوصله إلى قناعة مفادها ان الإسلام ما هو إلا دين اجتماعي سياسي لا علمي أو فلسفي أو صوفي أو غير ذلك بل كان هدفه بناء شبكة العلاقات الاجتماعية المتجانسة - تعبير لمالك بن نبي الذي كان له الفضل في إبداعه - و التي كانت غاية كل الأديان و النبوات ، كما يرى بن نبي أن الحضارات مرهونة دائما بها ....
يرى الدكتور الشهيد شريعتي أن آليات فلسفة التاريخ قائمة على:
* فلسفة الإنسان و ماهيته و صيرورته و التي لا بمكن صنع الحضارة برأيه إلا بفكها و معالجتها....
* الجدلية المركزية و فحواها ذلك الصراع في كل انعطافات و مسارات التاريخ و التي تمثل فلسفة المجتمع و هو العلم الأول آليا في فلسفة التاريخ....
هذا الصراع الذي تقوم عليه حركة التاريخ يتجاذبه طرفان هما - رمزيا - قابيل و الذي يمثل ثلاثية رمزية - استوحاها من القرآن الكريم -هي فرعون و قارون و بلعم بن باعورا أي تلك السلطات الثلاث التي تحكمت و مازالت في مجريات التاريخ : السلطة السياسية ( الملك ) ، السلطة الإقتصادية ( المالك أو الأرستقراطية ) ، السلطة الدينية ( دين ضد الدين ) ، مقابل طرف القطب الهابيلي و الذي يمثل معسكر الناس و الذين يقف إلى جانبهم الله و الأنبياء دائما ...
إن القطب القابيلي بأطرافه الثلاثة- قديما و حديثا- يرتكز في تثبيت سلطته و نفوذه على آلية الإستحمار حيث يقوم بتسخير الناس كالحمير لإنجاز غاياته في الاستعباد و الاستغلال و الاستعمار و ذلك بخلخلة الشبكة الاجتماعية و تزوير الأيديولوجيات....
ترتكز الآيديلوجيا التي أراد شريعتي بناءها على أساس العودة إلى الذات على المعطيات و النتائج المترتبة عليها و هي كما يلي:
- تغطية الواقع العاري .- صنع الانسجام في شبكة العلاقات الاجتماعية - بتعبير بن نبي.- امتلاك الوعي و النباهة لكشف أي مخطط للتزوير أو الاستعباد أو الاستغلال أو الاستعمار ....
و هذه الثلاث تمثل أركان الأيديولوجية عند شريعتي ....
و وجد شريعتي أن إشكاليات العصر الراهن - تباعا لأسية الإستحمار عنده - تتلخص في إستحمار الاستعمار الحديث و الذي يرقى إلى درجة من الخفاء و الابتكار لم يحدث مثلها من قبل.. إضافة للإستحمار الديني و الذي يتمثل بالتحجر و التزوير داخل الدائرة الدينية نفسها و أخيرا التغريب الماثل بنزعة الانبهار و عبودية الغرب ، و الضعف الثقافي ....
الإستحمار - بالطبع - يأتي في مقابل النباهة و التي يقسمها شريعتي إلى قسمين: فردية و اجتماعية.
و النباهة عنده هي ذلك الوعي السياسي بالمعنى الأفلاطوني أي وعي و إدراك و شعور الفرد بالمصير و اللحظة التاريخية لمجتمعه و ذاته، و شعوره بارتباطه يهما و مسؤولياته أمامهما .فالإستحمار إذن هي كل ما يسلب تلك النباهة بكلا قسميها. و كل دافع يفضي إلى سلب تلك النباهة هو دافع إستحماري مهما كان ذي صبغة دينية أو كان ذي قداسة خاصة ، سواءً كان هذا الدافع علميا أو عباديا أو حتى مدنيا ( حضاريا ) فهو لا يعبر إلا عن دعوة كاذبة عاقبتها العبودية و سحق الذات لأنها لسيت إلا تخديرا للأفكار ....
تقوم دينامية الإستحمار على اتجاهين اثنين:
1 التجهيل: الدفع إلى الجهل و الغفلة .
2 الإلهاء: تقديم الجزئي على الكلي أو إلهائه عن الحقوق الأساسية بالحقوق الجزئية (فقه الأولويات(....
الوعي الوجودي ( النباهة النفسية(
تشكل النباهة النفسية مفهوما مصيريا لصيرورة الإنسان و تكامله و إدراك ذاته، فهي التي تعطي الإنسان شعورا بذاته و وعيا بقيمته و قدره، ضمن إيمانه بنفسه، فالإنسان مهما ارتقى في مدارج العلم و الصنعة و الفن و أحرز تقدما مهما في نبوغه العلمي لا يمكن أن ينال صيرورته الإنسانية من دون هذه المعرفة التي تفوق الفلسفة و الصنعة و العلم و الفن، حيث أن هذه المقولة تأتي في سياق الفكر و الشعور لا العلم ( أي أنها مسألة تقع تحت إطار مقولة الوعي لا مقولة العلم ، إذ الأولى أعم من الثانية لدى شريعتي ، إضافة إلى أنها معيارية قبل أن تكون وصفية .......أي أن مدارها التغيير لا التفسير ، و بالتالي يكون الوعي الدينامية المركزية لصيرورة الفرد و المجتمع في التاريخ).
يؤمن الدكتور الشهيد شريعتي – كما بن نبي في تفسيره للجدلية بين عالم الأشياء و عالم الأفكار – أن مسألة الفكر و العقيدة يجب أن تسبق الحضارة و التقدم و التمدن ، فإذا لم يكن الوجود البشري متجها نحو هدف منشود أو ضمن عقيدة معينة فإنه لا يمكن أن يؤسس لحضارة مستقلة ، لأن الفكر و النباهة لابد أن تسبق الحضارة ، و كل المجتمعات التي حاولت بناء حضارة دون المرور بمرحلة الفكر و العقيدة فشلت في ذلك و لم تنجز سوى مدنية تقوم على هوس الاستهلاك ضمن تبعيةٍ للحضارة القائمة – حيث يفرق شريعتي بين المدنية و الحضارة ... و الواقع يؤكد أن كل المجتمعات التي بدأت من نقطة عقائدية و تحركت بعد تحقيق وعيها الفردي و الاجتماعي يمكنها بناء الحضارة أما المجتمعات التي اقتدت بحضارات أخرى- مهما كانت تلك الحضارات – من دون وعي و شعور ظلت مسخرة لتلك الحضارة مستهلكة على الدوام .. (مثلا ألمانيا التي تمتلك الفكر، تمكنت بعد الحرب العالمية الثانية من تدارك وجودها الحضاري ، أما دول الخليج – مثلا- ظلت مستهلكة على الدوام،، رغم مرور أكثر من نصف قرن و هي في عالم الاستهلاك و التمدن(...
الوعي و فلسفة الإنسان:
إن الإسلام يعطي الإنسان رتبة أعلى من سائر الموجودات كسائر المدارس ذات النزعة الإنسانية، بل تفوق عليها و تمكن من إيجاد رؤية تفسيرية ملائمة للأبعاد الوجودية له. (حيث جعله الإسلام صفوة الله و خليفته بين الكائنات و سخر له كل قوى الطبيعة و أمر ملائكته بالسجود أمامه... كذلك فضله على العالم...) كما أن لديه – ضمن فلسفة الإنسان في الإسلام – صفات مشابه لصفات الله: عارف ذو إرادة، مختار، خالق و مبدع ، متمرد ... و إن كانت هذه الصفات محدودة إلا أنها نفس الصفات الإلهية، لذلك فإن الإنسان كلما زاد تكاملا كلما اتصف بهذه الصفات ، و في هذا السياق يمكن تفسير الأحاديث التي حثت على التشبه بصفات الله ، لأن الصيرورة في التاريخ – عند شريعتي – قائمة على التحرك باتجاه تلك الصفات و التشبه بها.
يأتي الوعي و المعرفة النفسية – كما يسميها شريعتي – ليحافظ على الإنسان و ماهيته من الانجرار وراء الاغتراب و الضياع ، ذلك أن الضامن من بقاء الإنسان إنسانا هو الوعي و النباهة النفسية و من ثم النباهة الاجتماعي – كما سيأتي – فإذا فقد هذه النباهة انحدر نحو السقوط و الغربة عن الذات و الضياع في دائرة مفرغة في مستنقع الرغبات و الهموم الرخيصة فبالتالي يصل لدرك الوجود ، و يفقد صبغته الإلهية و عرش خلافته على الأرض... إنسان هكذا يتجه نحو خارجه دائما لا يمكن له أن يرى نفسه و يتأمل ذاته من دون هزة أو لطمة قيمية تعيده لوعيه و شعوره و تريه قابلياته و قدراته كالمرآة تماما ترينا أنفسنا و تعرفنا بمحاسننا...
يقول الدكتور شريعتي: ( المعرفة النفسية أو الدراية أو النباهة الموجودة عند الفرد بالنسبة إلى نفسه هي فوق معرفة الفلسفة و العلم و الصنعة ، لأن الأخيرة معرفة و لسيت معرفة نفسية ، أي ليست الشيء الذي يريني نفسي).
من هنا تقوم آلية الإستحمار – في ما يتعلق بالنباهة الفردية – على سياسة التحقير و إفراغ الذات الإنسانية من مضمونها و وجودها حتى يمكن استعبادها – أي استحمارها – هذه المقولة تحظى بأهمية بالغة ، حيث يفقد من خلالها الإنسان إيمانه بذاته و قيمته فبالتالي تبدأ أولى خطوات الضياع و الاغتراب، و في هذا الصدد يقول شريعتي : ( أي شيء عمل بنا الغرب نحن المسلمون ، نحن الشرقيون ؟ استحقروا ديننا و لغتنا و أدبنا و فكرنا و ماضينا و تاريخنا و أصلنا و كل شيء لنا استصغروه ، إلى حد حتى أخذنا نحن نستهزئ بأنفسنا . أما هم فقد فضلوا أنفسهم و اعزوها، و رفعوها إلى حد حتى صدقنا أن جهودنا جميعها و آمالنا و مساعينا ليست إلا تقربا و امتثالا و مماثلة و طاعة للإفرنج كي نستطيع تقليدهم في الأزياء و الأطوار و الحركات و الكلام و المناسبات.. (
إن نزعة التغرب في الشرق يمكن تفسيرها من خلال هذه الآلية – التحقير – إذ سلب الشخصية مقدمة للسيطرة عليها ، و حتى من خلال السيكولوجيا يتأكد هذا الإجراء للسيطرة على الإنسان....
إن النباهة و الوعي الذاتي يحول دون ذلك و يمكن للإنسان من خلالها أن يحمي وجوده من تبعات التحقير التي يقوم بها كل طامع به و يستطيع من خلالها الاعتزاز بذاته و إن فقد كل شيء ، فما الذي يفيده إن كسب كل شيء و خسر ذاته ، و ما الذي يضره إن خسر كل شيء و كسب ذاته ....
النباهة الاجتماعية ( مجتمع النباهة):
الأمر الثاني من الوعي و الإدراك الضروري لحماية الإنسان من الاستعمار و الاستغلال و الاستعباد و الاستبداد و بالتالي الإستحمار هو الوعي السياسي بالمعنى الأفلاطوني، لا بمعناها المتداول و المعهود حيث أن ( الدلالة الممنوحة لأثر أفلاطون في كلمته : الإنسان حيوان سياسي) واعية جدا لفلسفة الإنسان، فهنالك بون شاسع بين كون الإنسان اجتماعي يعيش في جماعات و يبنى نظم اجتماعية و بين كونه كائن يتميز بشعور و إحساس و مسؤولية بمرحلته الراهنة و المصير التاريخي و الاجتماعي للمجتمع، بين أن يكون قادرا على الانتماء و بين أن يكون واعيا و مدركا لماهية هذا الانتماء و الوجود الاجتماعي.
تشكل هاتين النباهتين مقياسا مهما تتضح و تنكشف من خلاله كل الأمور التي تحيط بنا، و من خلاله يتمكن الإنسان من إدراك مواقع الخطر التي تحدق به و تبغي استنزافه و إفراغ محتواه و كينونته الإنسانية، من الماضي و حتى الحاضر و إلى المستقبل حتى صياغة المصير بطي الأطروحة و عكسها. هاتين النباهتين التي نادى بهما الدين و أختص بهما الأنبياء تشكلان أساسا مركزيا يقوم عليه الفكر و الحضارة و التقدم و الازدهار للمجتمع الإنساني، يقول شريعتي : ( ما كان الأنبياء فلاسفة و لا فنيين و لا أدباء و لا شعراء و لا علماء جمال و لا فنانين بل كانوا أميين من عوام الناس - يقصد بالأميين أنهم من وسط الأمة لا فوقها في بروج عاجية، فهم جماهيريون لا نخبويون - لكن لديهم نباهة و وعي بالنسبة للزمان. و من أجل هذا شرّعوا مسيرا للتاريخ و حركوه فصنعوا حضارة، و غيروا مصير مجتمعهم أكثر من أي حكيم و أحسن من أي ذي فكر و أي عالم و أكثر من أي كاتب و أديب. هذه المعرفة النبوية يمكن أن تكون حتى للفرد الأمي بينما يكون الإنسان عالما بالمعقول و المنقول، لديه العلوم الحديثة و القديمة لكنه بعيد عن تلك المعرفة النبوية الاجتماعية).
إن القطب القابيلي - الذي مر ذكره سابقا ضمن فلسفة التاريخ عند شريعتي – ينشط و ينجح مخططاته و يدبر مؤامراته من خلال تعطيل هاتين النباهتين قديما و حديثا غير أنه في العصر الحديث أصبح أكثر قدرة على التخفي وراء ألف قناع و قناع، من أجل تمرير مخططاته، فوظف العلم و الفن و الفلسفة و الصنعة و التمدن في سبيل ذلك... يوضح ذلك الدكتور شريعتي بمرارة و حسرة حيث يقول : ( تعقد جلسة يشترك فيها عالم النفس و عالم الاجتماع و المؤرخ و عالم الاقتصاد و اختصاصي التربية و التعليم، فيجلسون معا و يتذاكرون بينهم فيما لا يعوزهم، ثروة تمدهم و قوة تساندهم ...
يقال لهم :
- خططوا!
- سمعا و طاعة. و لكن أي إنسان تريدون ؟ تفضلوا كي نعمل!
- نريد في هذا المجتمع (العالم الثالث) جيلا غير قديم، و أن لا يكون أبلها يخضب رأسه بالحناء دائما. فليس عندنا حناء! لدينا أدوت زينة و لوازمها نريد أن نوزعها هناك فلا يبقى شيء منها. نعم نريد جيلا لطيفا ظريفا جميلا عاريا من الشعور تماما، طبقا للمقاييس العالمية! نعم هذا الذي نريده لا أقل و لا أكثر!
- سمعا و طاعة للمولى! سيجهز بعد أربع سنوات فنضعه تحت تصرفكم!.(
يضيف رحمة الله عليه : ( فجأة نرى منذ عام 1945م إلى 1955م و خلال عشر سنوات نرى أدوات الزينة الأوروبية و لوازمها قد ارتفع مقدارها في طهران إلى خمسمائة ضعف(
هكذا يتم صناعة الإنسان من خلال أدوات و طرق في منتهى الدقة و الإتقان من أجل أن يكون قادرا على الاستهلاك و التبعية لا أن يكون قادرا على الإنتاج و صناعة الحضارة و الاستقلال‘ بتوظيف و تسخير كل ما وصل إليه العالم من علوم و فنون و قدرة، فيصبح الإنسان بعد ذلك مجرد إناء كالفخار يتم ملئه كما يحلو للمستحمر. و يصبح كل ما حققه ذلك العالم المستهدف من طاقات و قدرات و نبوغ بشري عرضة للاستلاب و الاستنزاف، حتى يتم تسخيرها من أجل أهدافهم و رقيهم و خططهم المشئومة..
إن الشيء الأساس الذي ينجي الإنسان من الإستحمار بكل وجوهه و صوره هو تلك النباهة بقسميها الذاتي و الاجتماعي...
رباعية الاستحمار: الاستغلال ، الاستعمار ، الاستبداد ، و الاستعباد
اتضح فيما سبق أن كل دافع أو عامل يقف أمام الوعي و النباهة بكلا قسميها و يعطلهما، فإنه يدخل ضمن مقولة الإستحمار برباعيته سواءً كان هذا الدافع علما أو فنا أو حضارة أو أي شيء مقدس. إذن فمعنى الإستحمار، تزييف ذهن الإنسان و نباهته و شعوره و حرف مساره عن تلك النباهة الفردية و الاجتماعية.
و من دونهما يفقد الإنسان قدرته على الاختيار و صناعة المصير و إدراك السبيل و يفقد معه كل موقف يتخذه قيمته و أهميته ، يقول: ( إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف – يعني هنا ذات الوعي – فكن أينما أردت . المهم أنك لم تحضر الموقف، فكن أينما شئت، واقفا للصلاة أم جالسا للخمرة، كلاهما واحد).
إن هذا القطب الذي هو عبارة عن تحالف القوى المسيطرة في التاريخ، و الذي يقوم بالإستحمار بوجوهه الأربعة : الاستغلال ، الاستعمار ، الاستبداد و الاستعباد لا يدعو الإنسان لما يستاء منه دائما فيثر إنزجاره و انزعاجه و ينفر منه بل يمارس معه أبشع صور التمويه و الخداع حتى يظن أن ما يقدمه له في منتهى الروعة و الرقي و التقدم، فيشغلونه بحق آخر من أجل أن يقضي هو – أي هذا التحالف الغير مقدس الذي ذكرناه – على حق أولى و أهم .
يقدم لنا الدكتور شريعتي مثالا توضيحيا، يقول :
) عندما يشب حريق في بيت ، و يدعوك أحدهم للصلاة و التضرع إلى الله – أنظر كم هي مقدسة هذه الدعوة ، لكن ما أبشع ما تؤدي أليه - ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، فكيف إلى عمل آخر...فالاهتمام بغير إطفاء الحريق، و الانصراف عنه إلى عمل آخر، ما هو إلا استحمار، سواءً كان عملا مقدسا أو لم يكن كذلك (
أو كالوصي على أموال طفل عندما يريد الاحتيال عليه فإنه لا يعلن له ذلك بل ربما يستخدم معه الإستحمار فيرغبه للدراسة و العلم إذا كان محبا لذلك أو يرغبه إلى أي شيء آخر يحبه من أجل أن يستولي على ممتلكاته و أمواله و هو غافل لا يدري عن شيء ...
إن في التاريخ الإسلامي نماذج كثيرة توضح ذلك ، فقد كان المسلمون في صدر الإسلام يتمتعون بهاتين النباهتين حتى أنهم كانوا يقاضون الخليفة على أي سلوك لا يقبلونه – مثل موقف المسلمين من سهم عمر بعد فتح فارس – فقد كانوا أهل وعي و دراية و كانوا يهتمون بمصير مجتمعهم بدقة و ولع، حيث يصعب الظلم و السيطرة عليهم فبالتالي لا يمكن استحمارهم أبدا. بخلاف المجتمع الإسلامي في العهد العباسي حيث بلغ ذروة الحضارة و العلم و الازدهار إلا أنه يفقد الوعي و يفقد الاهتمام بمصيره الاجتماعي حتى يصبح لا يبالي بأي ظلم أو جور أو تبذير تقوم به السلطات آنذاك، كما حدث بعد الوليمة التي أقامها جعفر البرمكي بمناسبة زفافه، ) حيث طبخ من الطعام ما أخذوا يخرجون الباقي منه من بغداد عدة أيام، حتى تجمع جبل من الطعام خارج المدينة. و بعد أن تغذت منه الطيور و الحيوانات أياما، تعفن فأخذ يهدد صحة الناس و سلامتهم مما اضطرهم لاستئجار جماعة لإبعاده عن المدينة فلم يظهر رجل من المسلمين ليقول لهم ، هذا الطعام الكثير إسراف في الدين ( لماذا ؟ لأنهم فقدوا تلك النباهة حتى إذا جاءهم المغول تهدم كل الصرح الاجتماعي الذي كان قائما و لم يبقى له أي مدافع...
فبين هذا المشهد في العهد العباسي و بين ذاك المشهد في صدر الإسلام تكمن أهمية النباهة و الوعي الإنساني للفرد و للمجتمع، و تتضح جليا ضرورتها من أجل إنسان يعي ذاته و حياته و مستقبله ...
الإستحمار الديني (الماهية و الأسلوب):
يمثل الدين ( أحد القوى المتحالفة في السيطرة على التاريخ ) أكبر و أقوى مستحمر في العصور القديمة كما يمتد دوره للعصر الحديث، و هنا لابد من التمييز و عدم الخلط بين الدين الذي بلّغه سائر الأنبياء في ذروة الحقيقة و بين الدين الإستحماري ( دين ضد الدين ) الذي تروجه قوات استحمارية مضادة للإنسانة تتلون بألوان مختلفة و تتخذ أوجه متباينة لكنها تؤدي نفس الدور كالطبقة الروحانية أو المعنوية أو الطبقة الصوفية أو طبقة الرهبان أو طبقة القساوسة.
هذا الدين الإستحماري يقف في وجه الدين الحقيقي و يحاول تعطيل قدرته و نفوذه بآلياته الإستحمارية و التي تقوم بتشويه كل مفاهيم دين الوعي و الآيديولوجيا و تقلبها رأسا على عقب و تسلب كل ما منحه دين الوعي.
يقوم هذا الدين في إستحماره على مستويين:
المستوى الأول : تعطيل قدرة الوعي و الشعور بالمسؤولية الفردية و الاجتماعية عند الإنسان، و يشير شريعتي لذلك من خلال عرضه للطريقة التي يقوم من خلالها هذا الدين بتحقيق هذا الهدف،
حيث يقول: )- دع عنك الدنيا فإن عاقبتها الموت!
- ادخر كل هذه الحاجات و المشاعر و الأمنيات إلى الآخرة........- إنها سنوات العمر القصير لا قيمة لها، دع الدنيا لأهلها! و يقصد " بأهلها" نفسه و شريكيه الآخرين! (
المستوى الثاني: تبرير ما يقوم به شريكاه – المال و السيف أو السلطة السياسية و السلطة الاقتصادية كما مر سابقا- في السيطرة و الصراع على التاريخ، و توفير الصيغ الشرعية و صكوك الغفران لهما ، يقول: (صحيح أنك خنت و بعت مصير الناس للآخرين إلا أنك لا تستطيع أن ترجع حقوقهم إليهم و ليس هذا صوابا! هناك طريق أسهل . ما هو؟ ، أن تقرأ هذه الكلمات ست مرات و أنت متجه نحو القبلة ! فلن يبقى عليك شي، و ستغفر ذنوبك... ثم يتساءل : إذن لأي شيء أتحمل ثقل المسؤولية الاجتماعية ؟ لماذا؟... فهناك طريق أسهل! هو كتاب الأدعية فإنه يفتح الأبواب من غير تعب و لا نصب و لا مشقة.. و بدون أي مسؤولية!.... هذا هو الدين المستحمر- بكسر الميم) هنا يشير لذلك الفهم للدعاء الذي يعزل الإنسان عن مسؤوليته و دوره و يوفر له مزيدا من الطمأنينة و راحة البال بحيث يغدو الأمر نسخة طبق الأصل من ظاهرة صكوك الغفران في المؤسسة الدينية المسيحية في القرون الوسطى و لكنها بامتياز،، لا ذلك الفهم للدعاء الذي يلفت الإنسان لذاته و مسؤولياته و يجعله يتطلع للتكامل و بناء الذات و المجتمع.
الدين الإستحماري :
هذا الدين ( دين ضد الدين ) يستخدم في عمله الإستحماري ذات الأدوات و المفاهيم للدين الحقيقي ، دين الوعي و الآيديولوجيا، إلا أنه قام بتشويهها و إعادة صياغتها بما يلاءم دوره الإستحماري، فكل العناوين التي تملك دلالات سامقة في الوجود الإنساني تم إفراغها من محتواها و مؤداها و فاعليتها الاجتماعية لتبقى عناوين ذات أبعاد غيبية أو فلسفية، بحيث تسلب من الإنسان إرادته و قدرته في صنع مصيره و كماله و مجتمعه، أو تلهيه عن ذلك.
لا يمكننا أن نصف هذا الإجراء و هذا التشويه اختلافا و حسب بل هو عين التناقض، يقول الدكتور شريعتي: ( و التعبير الأكثر دقة هو ما قاله أعرف الناس بالإسلام و أخبر علماء العلوم الاجتماعية و أدراهم بالمصير التاريخي للإسلام، و خير من تكلم و عبر و تفنن و هو ( علي ) الذي عبر بجملة واحدة عن كل ما أراد من التعبير عنه متخصصو العلوم الإسلامية و العلوم الاجتماعية و ما طرحوه من تحليل علمي لتاريخ الإسلام و ما أعدوه من كتب و مؤتمرات مطولة و ما قاموا به من مقارنات بين الحقيقة الأولى للإسلام و واقعه الفعلي و رسالته البناءة، و الدور الهدام الذي أدّي، .... و تبيان جمال الإسلام و جاذبيته، و قبيح ما مسخ منه، و محاولة إثبات أن الإسلام دين مميز غير سائر الأديان، و أنه كان مميزا في انحطاطه أيضا، أو دفعه إلى الانحطاط، و أن الإسلام الأول كان أجمل رسالة و دعوة و أنه أصبح في سيره التغييري نحو الانحطاط ليصبح أبشع رسالة. نعم لقد قلت أن أسمى رسالة فكرية و أكثر رسالة إنسانية تقدمية تحولت إلى أشد الرسالات انحطاطا، كل هذا الحديث بينه ( علي ) باستعارة بسيطة و طبيعية من حياة عامة الناس و بشكل دقيق و كامل حين قال : " لبس- ألبس - الإسلام لبس الفرو مقلوبا " فالفرو لباس لكنه مميز عن سائر الألبسة في الشكل و الاستعمال، و الفرو هو اللباس الوحيد الذي ظاهرة جميل جدا، و باطنه قبيح و أسود ، ظاهرة ذو نقش بديع، و باطنه يخيف الأطفال، أوليس أطفالنا اليوم يرهبون من الإسلام؟! فالإنسان يلبس الفرو مقلوبا و الخروف يلبسه ظاهرا(
الإستحمار القديم و الإستحمار الحديث:
يعتمد الإستحمار القديم غالبا على الدين بينما يعتمد الإستحمار الحديث على الإلهاء و المعركة الإلهائية و التمويهية – على حد تعبير شريعتي – كإثارة الخلافات الطائفية و المذهبية و النزاعات الدينية من أجل تمرير مشاريع الاستعمار و النهب، يقول رحمة الله عليه: ( في الفترة بين سنوات 1320 هـ ش و 1330 هـ ش اختلقت ثمانية عشر إلى عشرين معركة في إيران من أجل أن لا تعرض قضية شركة النفط على الأفكار و الأذهان! و في القرن التاسع عشر الميلادي، عندما بلغت نشاطات الاستعمار ذروتها، ظهر سبعة عشر نبيا – كفتنة البابية و البهائية و الأزلية في إيران و العراق – في فترة لا تزيد عن ثلاث عشرة سنة ، من الصين إلى بوشهر في إيران ، من أجل إلهاء البلاد الإسلامية و إشغالها عما هو أهم من هذا.(
أدوات الإستحمار:
للإستحمار أدوات كثيرة يوظفها لتنفيذ مشروعه قديما حديثا، و قد عرض الشهيد شريعتي مجموعة من الأدوات لكلا النوعين من الإستحمار ،
نذكر بعضها :
أدوات الإستحمار القديم:
- الزهد حينما يوظف كأداة تخدير و تجاهل لكل الواقع المعاش و ترك الحقوق و التخلص من حطام الدنيا لصالح الأعداء.
- الشكر حينما يتحول لوسيلة للقبول بكل الواقع بعلاته و سيئاته و عدم محاولة تغييره. و هنا نلحظ ذات المنهج الذي أعتمده أغلب المصلحين و المفكرين الإسلاميين لدى تقييمهم لهذه المفاهيم كالشهيد مطهري و الشهيد الصدر و غيرهما. حيث نلحظ نقدهم للفهم السائد حول هذه العناوين و ربطهم الانحطاط بهذا الفهم المغلوط و المشوه.
- الشعر حينما يبتعد عن رسالته الاجتماعية و الإنسانية و يبقى في إطار مقولة الفن للفن التي ينتقدها شريعتي، لأنه يؤمن بان قيمة الشيء بمؤداه لا بذاته. و نرى الكثير من المعالجات عند شريعتي لهذه الموجودات الحضارية ضمن هذا الإطار.
- القومية.
- الفخر و الاعتزاز بالماضي و التراث القومي.
أدوات الإستحمار الحديث :
- التخصص حينما يسبب انغماس الإنسان في إطار محدود و صغير جدا مجردا عن كل المجتمع بصورة يهمش فيه أبعاده الإنسانية الوجودية الأخرى. لا يعني هذا إلغاء أهمية التخصص كتفريع للعلوم المختلفة كما هو معروف في التطورات الأكاديمية للمنهج البحثي بمنح أكثر عدد من الأقسام للعلم الواحد، كما لا يلغي أهمية تخصص الإنسان و نموه في جانب معين و اكتسابه مهارة معينة. و إنما المقصود هو حفظ و مراعاة شمولية الإنسان و تعدد أبعاده بحيث ينظر للحقيقة بكلها لا بجزئها كبقرة أفلاطون.
- التجدد و الحضارة و المدنية ، حيث تكون دافعا إستحماريا عندما تفسر بإطارها الاستهلاكي دون الإنتاجي، فيظن المجتمع باستهلاكه أنه تمكن من اللحاق بركب الحضارة و التقدم بنما الواقع يظهر أنه مازال متخلفا تابعا لا يجيد سوى الاستهلاك، و شراء البضائع و استيراد الخبرات الأجنبية التي وفرتها الحضارة الغربية، فيبقى الإنسان هنا – في العالم الثالث أو ما يسمونه بالعالم النامي – مفتقدا لقدرة الإنتاج العلمي و الصناعي و الفكري و الفني ، تأتيه السلع و البضائع جاهزة فيظن أنه لحق بركبهم – أي العالم المتقدم – بينما الحقيقة أنه مازال مستهلكا يشتري فيجني الغرب منه رأس المال و الأرباح ، يبتهج و يفتخر بما أنجزه من مدنية خادعة ، يقول شريعتي عن ذلك : ( إن هذا الفخر و الفخفخة ليسا سوى " الحضارة الاستهلاكية " و يجدر أن أقول لكم أن هذه الحضارة الاستهلاكية هي أسوء و أقبح من الوحشية و الهمجية ! نعم، إن الذي يتحضر – أو يتمدن – في الاستهلاك فقط فإنه دون الوحشي. لماذا؟ لأن الوحشي لا يعدم الأمل في تحضره عن طريق الإنتاج، لكن المستهلك من غير الإنتاج يعدم الأمل به طبيعيا.... عندما يدخل أوربي أو أمريكي الرياض هذا اليوم يندهش من التجدد! السيارات كلها حديثة مائة بالمائة من أحدث طراز! لا يوجد لها مثيل في العالم ! فمن أميركا إلى الشرق الأوسط كل بلد متخلف اقتصاديا تراه أكثر تجددا و تجملا من غيره ! ..... ما هو التجمل – و التمدن -؟ هو التقدم في الاستهلاك، الشيء الذي يقضون علينا من أجله ليسلبوا منا أمل الإنتاج).
- الحريات الفردية: عندما تتحول لعائق أمام الوعي الاجتماعي فهي تكون كإطلاق الطير من قفصه في غرفة مغلقة.
- حرية الجنس: التي كانت بمثابة الهبة عوضا عن الثروات التي نهبها الغرب منا، فقدم الحرية الجنسية للجيل الذي يعاني من تشويش و اضطراب ناتج من الأزمة الجنسية في ذروة حاجته الجنسية حتى يلهو عن مسؤولياته و دوره الاجتماعي في سن النشاط و الحيوية، هنا يبدو الإستحمار.
- حرية المرأة و التبعية و التقليد الأعمى.
الخاتمة:
إن كلا النوعين من الإستحمار( القديم و الحديث ) يؤدي نفس النتيجة و هي تعطيل كلا النباهتين و الدرايتين – كما يسميهما شريعتي أحيانا – حتى يتمكن من صناعة إنسان يوافق مقاييسه، كأن يمسك مسبحة و كتاب أدعية و صوم و صلاة و تعزية ، عند الإستحمار القديم أو أن يملك سيارة ذات طراز حديث و رزمة مناديل و ديون و متاع عند الإستحمار الحديث و هذا كل ما في الأمر ... يختم الشهيد شريعتي قائلا : (إن أي قضية فردية أو اجتماعية، أدبية كانت أم أخلاقية أم فلسفية، دينية أو غير دينية تعرض علينا ، و هي بعيدة عن النباهة الإنسانية و النباهة الاجتماعية، و منحرفة عنهما، هي استحمار ، قديم أو جديد مهما كانت مقدسة و السلام ) .


المصدر : موقع دار الأمير

ليست هناك تعليقات: