الثلاثاء، 9 مارس، 2010

معرفة الإسلام






قراءة في كتاب "منهج التعرف على الإسلام" تأليف علي شريعتي
سنقوم في هذا العرض بمحاورة أفكار الشهيد علي شريعتي التي طرحها في مؤلفه "منهج التعرف على الإسلام" والتعليق عليها وكذا محاولة تعميقها؛ وهو الإصدار رقم (14) ضمن مجموعة الآثار الكاملة التي تصدرها دار الأمير لشريعتي ببيروت لبنان في طبعته الأولى 2005, وقام بترجمته إلى العربية عادل كاظم وقام بمراجعته حسين علي شعيب؛ والكتاب من القطاع الوسط ويتكون من أربع وستين صفحة؛ وجاء مقسما إلى فصلين جاءا في شكل محاضرتين الأولى بعنوان المنهج والتشكل الحضاري والثانية بعنوان أدلجة الفعل الإسلامي.
بداية يعرف شريعتي ضمنيا المنهج بأنه "أسلوب المعرفة الصحيحة لكشف الحقائق وهو ذو أهمية أكبر من الفلسفة والعلم والموهبة" ص 5؛ لذلك فهو يعتبره أُسُّ قيام الحضارة الأوروبية عندما غيرت منهجها و تحررت من هيمنة المنهج الأرسطي القائم على القياس ويعتبره السر الذي حقق طفرة التقدم المدني والرقي الحضاري في أوروبا, فالمنهج هو الذي أسّس للنهضة الأوروبية.
وفوق ذلك جاءت تلك النهضة فجأة و في شكل تقدم سريع ومدهش بعد أن توقفت أوروبا ألف سنة اعتبرها شريعتي مسألة خطيرة وهامة بقدر ما هي أعقد القضايا المطروحة على العلم للإجابة عليها؛ وقوله: "... فالحديث هنا إذن عن الثقافة والنهضة العلمية" يشير إلى ربطه الفكر بالمنهج، والمنهج كمضمون عميق للفكر نفسه، والتغيير في مضمون الفكر يقتضي تغيّرا في المنهج بما هو تحول ينأى عن القراءات الشكلية التي ترى النهضة الأوروبية تغير من النظام الإقطاعي إلى النظام البورجوازي.
وفي نفس السياق يطرح شريعتي رأيا جرأته تعدل خطورته، فلكي يؤكد على مسألة المنهج وأهميته الحضارية يحكم بعدم أهمية النبوغ العلمي بل بكون النبوغ العلمي حائلا أمام نهضة أمة ما استنادا إلى مثال أرسطو ومنهجه، ورأى أن النابغة المتوسط يستطيع الوصول إلى الحقيقة إذا امتلك المنهج الصحيح بينما النابغة العظيم قد لا يتمكن من ذلك إذا افتقده.
هنا تحديدا تثور قضية أساسية هي كيف يفهم على شريعتي مسألة المنهج على أنها طريق لمعرفة الحقيقة، أية حقيقة يريد شريعتي أن يوصلنا إلى استلهامها من كلامه؟ أو ليس النبوغ نبوغا شاملا سواء في المنهج أو غيره؟ ... هذه وغيرها يثور ويستثير لكن لا بأس فلعل المنهج عند شريعتي سيتضح بمواصلة قراءتنا لكتابه المثير هذا؟
ينتهي شريعتي إذن إلى التقرير بأن مهمة الباحث الأولى هي انتخاب أفضل منهج وبالتالي علينا كمسلمين أن نستفيد من التجربة الأوروبية إدراكا للمسؤولية ووعيا بالواجب، متحولا بذلك من محلل للقضية الحضارية إلى موجِّه ومرشد يحذوه أمل النهوض بالأمة في بحثه عن المنهج الصحيح لمعرفة الإسلام وهي المسألة التي حاول التصدي لها فيما سيأتي:
قبل اختيار المنهج لابد من ابتكاره كما يرى منظر الثورة الإسلامية وبالتالي فالمنهج عنده يماثل مشكلة الأفكار لدى بن نبي فكلاهما يشترط أصالتها بمعنى أن تكون نابعة من واقع الإنسان دونما اغتراب عن الذات؛ وهذا الرأي يعد مفتاحا أساسيا في قضية الإبداع وكيفيته، الكيفية التي عمل شريعتي على إجلائها عند وقوفه على جوانب من معرفة الإسلام؛ ولكن قبل ذلك يورد مقولة هامة هي مفتتح للموضوع رأينا من المفيد الوقوف عندها: "من البديهي أنه لاتوجد لمعرفة الإسلام طريقة واحدة فقط، لأن الإسلام ليس دينا ذا بعد واحد" ص 10.
فالتعددية التي طرحها شريعتي مبررة سببيا ولم تأت مؤدلجة كما يفعل مفكرونا المعاصرون خاصة منهم أصحاب المرجعيات المستعارة فهو يربطها بطبيعة الإسلام نفسه، الطبيعة التي سيكرس محاولة معرفته لها. يحدد المؤلف الإسلام في ثلاث جوانب عامة هي: جانب العرفان والأحاسيس الروحية وعلاقة الإنسان بربه، جانب الحياة الإنسانية وطريقة المعيشة على الأرض، الجانب المدني والحضاري منتهيا إلى اعتبار الإسلام بذلك موشورا متعدد الأبعاد، ويطرح بعدها منهجه في معرفة الدين وهو من طريقتين:
1- طريقة الآثار والأفكار مشيرا وبشكل أساسي إلى القرآن. 2- طريقة استعراض تاريخ الدين ومسيرته منذ منشئه.
فيستشهد شريعتي لأهمية العودة إلى القرآن لدراسته بالسياسي الجزائري فرحات عباس ـ على عدم التزامه بالخط الإسلامي كما يرى المؤلف ـ الذي يقر بأن اليقظة الإجتماعية في شمال إفريقيا بدأت منذ مجيء الشيخ محمد عبده للمنطقة وتفسيره للقرآن.
ثم يعرج بعد ذلك لتبيين أهمية دور المسجد في التوعية كمؤسسة دينية، فأهمية المسجد كبرى عند تأديته للدور المنوط به في التعريف بالإسلام قائلا: "لو أن المسلمين اليوم حولوا المسجد إلى مراكز فعالة للبحث والتحقيق واعتمدوا على هذين الأصلين الأصيلين القرآن والتاريخ لأمكنهم ذلك من بناء القاعدة الأساسية لأكبر نهضة إسلامية وفكرية" ص 16 وكأنه يعيد التأكيد على الطريقتين اللتان اختارهما للتعرف على الإسلام.
لكن ذلك لم يثنه عن البحث عن منهج علمي يحاول به التعرف إلى الإسلام كذلك مستخدما منهج التيبولوجيا (علم التصنيف) السوسيولوجي المتكون من خمس جوانب مع مقارنتها بباقي الأديان وسنعرضها بشيء من التفصيل لأهميتها ومركزيتها ضمن المؤلف و هي:
1- أولاً محاولة معرفة الله من خلال المقايسة والإستنتاج باستقصاء صفاته في القرآن والسنة.
2- ما نوع كتاب الإسلام (القرآن) وما المفاهيم التي يطرحها وكيف يطرحها.
3- معرفة نبي الإسلام محمد (ص) لدوره الفعال في الأحداث التي عايشها، وهي من أهم الجوانب لمعرفة روح وحقيقة الإسلام.
4- البحث في حقيقة ظهور نبي الإسلام وكيف انطلق في دعوته هل من السلطة أم من القاعدة؟ كما يطرح على غرار باقي الجوانب الأخرى المقارنة مع الأديان الأخرى، ونورد المقارنة هنا لأهميتها في التعريف بمرجعية شريعتي أو بجزء منها، فيطرح الفرق بين أنبياء السلالة الإبراهيمية وبين غيرهم مثل بوذا وزرادشت في كون الأوائل انطلقوا من القاعدة أما الثواني فقد انطلقوا من التملق للسلطان، فهنا إذن تتسجل الخلفية الماركسية التي انطلق منها شريعتي في إصدار مقارنته ذات الأبعاد الطبقية.
5- لمعرفة الوجوه البارزة في الإسلام يعمد شريعتي إلى المنطلق الماركسي في بعده النضالي هذه المرة لكن في تحليل يبدو هذه المرة أكثر إقناعا منطقيا من سابقه عندما يقارن بين إبن سينا العالم والفيلسوف غير المسؤول عن مجتمعه والحلاج الصوفي الولهان ـ كما يصفه المؤلف ـ الغارق على الدوام في الوجد والشوق من ذكر الله والحسين الذي عده أفضل النماذج لكون المجتمع سيصير بنضاله وعلمه يعيش الحرية والعلم والقوة اللازمة لكسر أعداء الله؛ فهذه النقطة الأخير تعيد ربط شريعتي بأصله التخصصي وهو السوسيولوجيا كعلم يبحث الوقائع الإجتماعية في أرقى أشكال انسجامه مع الذات الشريعتية !!
في المحاضرة الثانية يُقدِم شريعتي على طرق مواضيع جانبية لأهميتها في خدمة الموضوع فيورد فكرة رآها منتشرة وخاطئة في أوساط المفكرين مفادها أنْ:"لا فائدة في الكلام، وأن الحديث عن الداء لا يجدي شيئا" ص 27. معترضا عليها ورادّاً خطأها إلى الاشتباه الذي حصل بين المشكلة وبين القيام بتحليل المشكلة؛ فالواقع أننا نعاني من المشكلة ونشعر بها (ويسميها الألم) ولكن مازلنا لم نبحث أصل الداء فالحقيقة هي غموض المشكلة الذي يمتد إلى العقيدة والدين؛ فكيف نريد أن نكون مجتمعا إسلاميا ونحن بعد لم نتعرف إلى الإسلام؟ يتساءل شريعتي، وغياب البحث يتجلى في قلة البحوث والمراجع التي تعرف بالقضايا الأساسية إلى حد انعدامها.
لكن ومع كل ذلك لا يخول شريعتي لنفسه أن يضع مسألة العمل جانبا بل يراها توأما للفكر كما هي السنة التي دأب عليها الرسول (ص) فيقول:"لذلك فيجب أن يكون المبدأ الذي نعتقد به أساسا لتفكيرنا وعملنا" ص 31. وهذا الكلام يوجهنا إلى أهمية تخلّق المعرفة والعمل المنطلقين من مبدأ والسائرين نحو مقصد معين، ليعود فيؤكد على أهمية الواجب المتوجب علينا القيام به وهو:"التحدث بشكل دقيق وعلمي عما نعاني منه" ص 32؛ فعلي شريعتي يحكم بعد ذلك بفشل المصلحين في معرفتهم للدين بدليل أنهم لم يقدموا لنا معرفة ماذا نعمل وقبل ذلك معرفة ماذا نريد، مشددا على أهمية التعريف بالدين ملقيا المسؤولية على كل مفكر إسلامي واع بكونه واجبا عينيا.
فيحاول شريعتي ـ كما يقول ـ تدوين علم اجتماع ديني على أساس الإسلام متوصلا بذلك ـ وحسبه دائما ـ إلى نتائج لم يتصورها من قبل باستعانته بالقرآن والسنة؛ فمن المسائل التي يقول أنه اكتشفها بالقرآن هي مسألة (الهجرة) التي خصص لها مؤلفا كاملا هو "محمد خاتم النبيين" وخلاصته أن الهجرة قانون فلسفي واجتماعي عميق وأنها كذلك السر في قيام كل الحضارات خلافا للفهم السطحي للهجرة الذي يشترك فيه المسلمين والغربيين على السواء ؛ فنكتشف نحن بدورنا هنا أن شريعتي يقصد بعلم الإجتماع الإسلامي الطريقة التي يطرح بها الإسلام القضايا الاجتماعية كطرح متميز وعميق يمكن المرء من طرق طروحات لا سابقة لها و ذات أبعاد عملية كذلك.
في هذه النقطة يعود المؤلف على بدء ليسأل مجددا ما هو العامل الذي يحدث تغييرا مفاجئا ويسبب نهضة أو انحطاط مجتمع؟ في سبيل ذلك يعرض جملة من النظريات الواردة في هذا الشأن منتهيا إلى الفهم الإسلامي لعامل التغيير من خلال واقع الإسلام نفسه وتحديدا شخصية النبي (صلى الله عليه و سلم) التي هي أعظم شخصية أثرت في تاريخ البشرية؛ إلا أن الشخصية العظيمة ليست وحدها العامل المؤثر فما على الرسول إلا البلاغ، أما العامل الرئيسي فيضعه شريعتي على عاتق (الناس)، والناس كلفظ قرآني مطلق دال على عموم النوع الإنساني دون إضافة معنى آخر كما هو الشأن مع لفظ الإنسان والبشر.
هنا كذلك نستشف الخلفية الماركسية للمؤلف لكن مع ملاحظة فارق جلي بين ماركسية شريعتي وماركسية الماركسويين العرب والمسلمين الذين لم يستوعبوا حتى ماركس نفسه؛ فماركسية شريعتي واعية تماما عندما حررت مفهوم الطبقة وصيرته عاريا من أي تحديد يسمه بالبروليتاريا أو الطبقة الكادحة بل هي لا تعترف به حتى كونه طبقة في حد ذاتها !! وإنما تحيله إلى تقابل انسجامي غير صراعي بين شخصيات عظيمة تؤثر إيجابا في عامة الشعب وليس طبقة تصارع استبداد الطبقة الحاكمة، على غرار شخصية النبي (صلى الله عليه و سلم) وبين الناس دون تمييز كما هو حال المسلمين مع النبي (صلى الله عليه و سلم)؛ هنا إذن نقلٌ لمفهوم غربي هو مفكك أصلا في المجال التداولي الحضاري الإسلامي.
فالسيد شريعتي قام ضمنيا بتفكيك هذا المفهوم الماركسي (على الأقل) تفكيكا نأى به بعيدا عن المادية التاريخية والصراع؛ وهو ما يحيلنا إلى مفهوم شريعتي الضمني عن فكرة المجتمع المدني كونه كلا تكامليا لا تتميز فيه إلا الكفاءة وأصحابها التميز الإيجابي الدافع وليس العكس، وفي رأيي أن هذا دليل على حمل شريعتي لمشروع حداثة ديمقراطي بامتياز أساسه الكفاءة، ويدعم هذا الكلام شريعتي نفسه بقوله: "أما في الإسلام فلا يوجد أي مقياس من هذه الميزات والاعتبارات، وإنما العامل الرئيسي في تغيير المجتمع هم كافة الناس بدون أي امتياز طبقي أو تفرقة عنصرية أو أية خصوصية أخرى" ص 46.
وينتهي شريعتي إلى أربع عوامل تشترك في التغيير هي:
(1) الشخصية العظيمة (2) السنّة بما هي قانون تاريخي (3) الصدفة (4) عامة الناس، فيوازن بذلك الإسلام حسب شريعتي بين دور الإنسان والحتمية التاريخية (عاملان إنسانيان مصدرهما الإرادة وآخران حتميان مصدرهما الجبرية) حالاًّ بذلك المسألة التي رأى فيها علماء الإجتماع تناقضا، فيؤدي ذلك بشريعتي إلى رؤية مفادها أن الإرادة ـ مثل إرادة الأنبياء ـ هي الأكثر تأثيرا على العالم والتميز لا يأتي من سبيل آخر غير الإرادة وقوتها من قبيل كسر القوانين الثابتة.
أخيرا يكرس شريعتي خلاصة الكتاب لمحاولة التدقيق في شخصية النبي (صلى الله عليه و سلم) خاصة الجانب التربوي منها، فيرى قبل ذلك أن شخصية النبي (صلى الله عليه و سلم) عاشت في إطار جغرافي يشكو الجفاف والعطش رغم مجاورته للماء من جوانب ثلاث، كما وترعرعت أيضا في نطاق حضاري فارغ فكريا وفي أدني مستوياته رغم مجاورته لمجالات حضارية عظيمة مثل فارس والروم واليونان.
ليعرج المؤلف لملاحظة الجانب التربوي في الشخصية المحمدية معرفا التربية أولا على أنها :"عبارة عن صياغة روح الإنسان بشكل خاص ووفق أهداف معينة" ص 57. فيرى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) تربى خارج الأطر التربوية الخمس التي تقولب الإنسان في بيئته وهذا عندما فقد أباه منذ فتح عينيه على الدنيا ومبتعدا عن أمه في البادية عند حليمة السعدية لمدة خمس سنوات على خلاف السنتين المعهودة للرضّاع، لتتوفى أمه بقليل بعد عودته إلى مكة، بل حتى أنه لم يقض شبابه فيها عندما امتهن حرفة الرعي خارجها، وحتى يبقى أبعد عن القوالب نشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب، فقد كانت شخصيته محرومة من كل القوالب حتى يكون معدا لفتح المسجد ويحطم قوالب العنصرية، ليلخص بعدها شريعتي تلك التفاصيل في قالب نظري (يفتقر إليه حتى الآن ـ القالب النظري ـ الدعاة المحدثين) بقوله:"لأن روحا عليها أن تتحمل أعظم مسؤولية، وتحقق رسالة غير عادية يلزم أن لا تتقولب بأي قالب عادي، ولا تتشكل بأي شكل من الأشكال المتعارفة.
ولكن الحرمان هذا ولاسيما لإنسان يقع على عاتقه أكبر دور في أكبر حدث في التاريخ، لا يعتبر حرمانا، إنه أكبر منالا يناله هو والبشرية جمعاء." الصفحة الأخيرة الفقرة الأخيرة.
ختاماً، لعل المفهوم الذي يسقطه شريعتي على المنهج تتضح بعض معالمه الأساسية بعد إتمام قراءة الكتاب؛ فالمنهج عنده والذي يعرفه لغة بأنه أسلوب المعرفة الصحيحة لكشف الحقائق هو عملا المعرفة التي تتوج بالنضال الإجتماعي، وهو ما كانت تقوم عليه فلسفة شريعتي في الحياة فقد رأى أن الانكباب على الكتاب طوال الوقت هو ضرب من إضاعة الجهود والفرص في سبيل تحقيق النهوض بالأمة.
هنا بالذات يتفرد شريعتي عن باقي أقرانه المفكرين بمنهجه الفريد هذا فيستحق بذلك لقب عالم الإجتماع المسلم بجدارة عندما يجعل من السوسيولوجيا معرفة عملية.
محمد عمر سعيد : باحث جزائري .
المصدر: موقع الشهاب الإلكتروني

الرابط : دار الأمير
http://www.daralameer.com/newsdetails.php?id=297&cid=27

ليست هناك تعليقات: